ابن ملقن

150

طبقات الأولياء

وقال : وضعتها في غير حقها ! وتتبعت بها أهل مجلسك ، ومن يغشاك لتكبر غاشيتك ، وتصرف وجوه الناس إليك . فبكى مالك ، وقال : واللّه ما أردت هذا ! قال : بلى واللّه لقد أردته ! . فجعل مالك يبكى ، والرجل يغلظ عليه ؛ فلما كبر ذلك عليهم ، رفع حبيب يده إلى السماء ، ثم قال : اللهم إن هذا قد شغلنا عن ذكرك ، فأرحنا منه كيف شئت ! . قال : فسقط - واللّه - الرجل على وجهه ميتا ، فحمل إلى أهله على سرير . وعن أبي إسحاق ، قال : سمعت مسلما يقول : أتى رجل حبيبا ، فقال : إن لي عليك ثلاثمائة درهم ، قال حبيب : اذهب إلى غد . فلما كان من الليل توضأ وصلى وقال : اللهم ! إن كان صادقا فأد إليه ، وإن كان كاذبا فابتله في بدنه ! قال : فجىء بالرجل من غد ، قد حمل وضرب شقه الفالج ، فقال : ما لك ؟ ! . قال : أنا الذي جئتك بالأمس ، لم يكن لي عليك شيء ، وإنما قلت : تستحى من الناس فتعطينى ! . فقال له : تعود ؟ ! . قال : لا ! . قال : اللهم ! إن كان صادقا ، فألبسه العافية ! . فقام الرجل على الأرض كأن لم يكن به شيء . وقيل لحبيب : ما بالك لا تضحك ، ولا تجالس الناس ، ولا تراك أبدا إلا محزونا ؟ ! . فقال : أحزننى شيئان : وقت أوضع في لحدي وينصرف الناس عنى ، فأبقى تحت الثرى ، مرتهنا بعملي ؛ ويوم القيامة ، إذا انصرف الناس عن حوضه ، عليه السلام ، فإنه بلغني أنه يلقى الرجل الرجل في عرصة القيامة ، فيقول له : أشربت من الحوض ؟ فيقول : لا ! ، فيقول : وا حسرتاه ! . فأي حسرة أشد من هذا ؟ ! . وقيل له في مرض الموت : ما هذا الجزع الذي ما كنا نعرفه منك ؟ ! فقال : سفري بعيد ، بلا زاد ! . وينزل بي في حفرة من الأرض موحشة بلا مؤنس ! . وأقدم على ملك جبار ، قد قدم إلى العذر . ويروى أنه جزع جزعا شديدا عند الموت ، فجعل يقول : أريد سفرا ما سافرته